ليلة شعبانية روحية بين المديح والصوفية: ياسمين السلطاني تقود كورال أنغام نحو أفق من النور

القضية بريس13 فبراير 2026آخر تحديث : منذ 13 ساعة
القضية بريس
فن وثقافة
ليلة شعبانية روحية بين المديح والصوفية: ياسمين السلطاني تقود كورال أنغام نحو أفق من النور

في قلب العاصمة الرباط، وعلى وقع أنفاس ليلة شعبانية مشبوبة بالروحانية، اجتمعت الأرواح والفنون في سيمفونية واحدة، تتأرجح بين نبض المديح النبوي ووشوشة الأذكار العيساوية، في ليلة لم تكن مجرد مناسبة دينية، بل رحلة عميقة في أحضان الأصالة المغربية والصوفية العريقة.

 

نظم كورال أنغام، برئاسة الفنانة والمبدعة ياسمين السلطاني، مساء يوم الأحد 8 فبراير 2026، هذا الحدث الذي بدا كأنه نسيج من الضوء والظل، حيث تنساب الأصوات كأمواج على شواطئ الروح. في هذا الفضاء، التقت التجربة الصوفية مع الحضور الجماهيري، لتصنع لحظة يتنفس فيها كل شخص السكينة، الخشوع، والانتماء العميق للهوية الروحية المغربية.

 

بدأت الأمسية بصوت المديح النبوي، كأنها نسائم رقيقة تدخل القلوب، تذيب كل ما فيها من قلق وتزرع شعوراً بالطمأنينة. تتعالى الأصوات في فضاء المكان، تتشابك وتتماوج بين الرقة والعنفوان، بين الصمت والصفير، فتخلق جداراً من النور الروحي. الطائفة العيساوية السلاوية، تحت إشراف المقدم المهدي عيشوش، أضافت طبقات جديدة إلى هذا البناء الصوتي، بين الرقص والترديد، لتصبح كل نغمة رسالة روحانية تحمل في طياتها الحكمة والتأمل.

 

كان لتنسيق ياسمين السلطاني البصمة الكبرى في هذا الحدث، فهي لم تكتف بقيادة الكورال، بل صاغت رحلة حسية متكاملة لكل الحضور، حيث يصبح الصوت جسرًا بين الإنسان والروح، واللحن شريانًا يربط بين الماضي والحاضر، والتاريخ باللحظة الراهنة. الأنغام كانت كأنها خرائط ضوء ترسم مسارًا داخليًا لكل فرد، فتعيده إلى جذوره الصوفية العميقة.

IMG 20260213 WA00041 - أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

 

أما مشاركة الفنان وصال بن عبدالله، فقد كانت كاللمسة الأخيرة على لوحة فنية معقدة، حيث جاء صوتها ليكمل الحوار بين المديح والنغم، فتتحول الأمسية إلى خيمة من السماع الصوفي تتسع لكل القلوب المتعطشة للروحانية. وقد عبر الحضور عن تفاعلهم من خلال تصفيق خافت، وترتيل بعض الأذكار، لتتشابك أصواتهم مع نغمات الكورال وكأنهم جزء من النسيج الموسيقي نفسه.

 

الأمر لم يكن مجرد أداء، بل طقس يربط الإنسان بعمق ذاته وبتراثه الثقافي. فقد بدا واضحًا أن كل نغمة وكل كلمة كانت مصممة لتحريك الذكريات الروحية، لتنشيط الخشوع، وإعادة شعور الانتماء الجماعي. كان الجمهور يشكل جدارًا حيًا من التفاعل، بين السكون والتأمل والتصفيق الخافت، في انسجام تام مع أجواء الأمسية.

 

وفي تصريح لجريدة اللقضية بريس الالكترونية، أكدت ياسمين السلطاني أن تنظيم هذه الليلة يأتي في إطار حرص كورال أنغام على إحياء المناسبات الروحية وتعزيز مكانة فن المديح والسماع الصوفي المغربي، مع فتح فضاءات فنية تجمع مختلف المدارس الصوفية في جو من الاحترام والتكامل. وأضافت أن نجاح الأمسية كان ثمرة الثقة الجماعية، والتنسيق بين جميع الفاعلين، ومشاركة الجمهور بروح عالية من الاحترام والانغماس الفني.

IMG 20260209 WA0161 - أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

ما يميز هذه الليلة هو ليس فقط الأداء الموسيقي، بل القدرة على تحويل الفضاء إلى تجربة حسية وروحية مكتملة. فالضوء والخشوع، الأنغام والصمت، جميعها عناصر تمزج في لوحة فنية واحدة، تجعل الحاضرين يعيشون تجربة شبه صوفية، تتجاوز حدود المكان والزمن. في كل لحظة من السماع، كان الحضور يشعر بأن كل نغمة تحمل رسالة، وكل كلمة لها وقع في الروح، وكل حركة إيقاعية تترجم حالة تأملية عميقة.

 

من الناحية الفنية، تميزت الأمسية بتوازن بين الإيقاع والبنية الصوتية، حيث كان المديح النبوي يمثل العمود الفقري للعرض، والأذكار العيساوية تضيف بعدًا حركيًا وروحيًا يرفع مستوى الانغماس لدى الجمهور. هذه الموازنة الدقيقة بين الصوت، الحركة، والخشوع، جعلت الحدث أكثر من مجرد أداء فني، بل تجربة شاملة للمكان والزمان والروح.

 

واختُتمت الليلة وسط أجواء من الفرح الروحي، الدعاء الجماعي، وتبادل المشاعر الإنسانية النبيلة، تاركة أثرًا طويل المدى في نفوس الحاضرين. فقد شعر كل مشارك وكأنه خرج من رحلة رمزية داخل عالم الروحانيات المغربية، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، والفن بالقيم الإنسانية، والإنسان بذاته.

 

تظل هذه الأمسية دليلاً حيًا على أن الفن الروحي ليس مجرد وسيلة للتسلية، بل أداة للتلاقي، للارتقاء بالروح، ولترسيخ القيم الإنسانية النبيلة. كما أنها تؤكد أن المرأة المغربية، من خلال قيادات مثل ياسمين السلطاني، القائدة الفنية والمبدعة التنظيمية، ومؤسسة Es-saltany Event، قادرة على تحويل التراث الروحي إلى تجربة عابرة للأجيال، تجمع بين الأصالة والابتكار، بين الفن التقليدي والروح المعاصرة.

 

ليلة شعبانية هذه، التي مزجت بين المديح والصوفية والأداء الجماعي، تمثل نموذجًا فريدًا لما يمكن أن يكون عليه الفن الروحي المغربي: جسرًا للتلاقي، وعالمًا من النور والسكينة، وميدانًا لتكريس التراث مع نفحة من الإبداع المعاصر.

الاخبار العاجلة