التدخل الأجنبي وأثره في التحولات السياسية بالمغرب من بداية القرن 15 إلى نهاية القرن 17

القضية بريس30 يناير 2026آخر تحديث : منذ 4 أيام
القضية بريس
مجتمع
التدخل الأجنبي وأثره في التحولات السياسية بالمغرب من بداية القرن 15 إلى نهاية القرن 17
سليمان علوان

يُعدّ التدخل الأجنبي أحد أبرز العوامل التي أثّرت في مسار تطور الأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية بالمغرب خلال القرنين الخامس عشر والسابع عشر، حيث تزامن مع مرحلة ضعف السلطة المركزية وتراجع الدولة المرينية، وصعود أطماع القوى الإيبيرية والعثمانية. وقد ساهم هذا العامل الخارجي، بتفاعله مع الأزمات الداخلية، في تعميق حالة عدم الاستقرار وإعادة تشكيل موازين القوة داخل البلاد.

 

احتلال سبتة وبداية التحول التاريخي

شكّل احتلال مدينة سبتة سنة 1415 من طرف البرتغاليين منعطفًا حاسمًا في تاريخ المغرب، نظرا لما كانت تمثله المدينة من أهمية استراتيجية واقتصادية باعتبارها أهم ميناء مغربي ومتوسطي، ومركزا رئيسيا للتبادل التجاري مع أوروبا، خاصة مع التجار الجنويين والبنادقة.

 

وفي هذا الإطار، يبرز عثمان المنصوري في كتابه «تاريخنا المشترك» الدور الحيوي الذي لعبته القبائل المرتبطة بالميناء، حيث يؤكد أن: «القبائل كانت تستفيد من هذه التجارة بتوفير الإقامة والراحة والأمن للتجار مقابل ما يدفعونه من مال، وهو ما دفعها إلى المساهمة في حفظ الأمن بتنسيق مع المخزن».

 

غير أن سقوط سبتة أدى إلى توقف هذه الحركة التجارية، ما أفقد المغرب مركزا اقتصاديا استراتيجيا وساهم في تعميق أزمته الداخلية.

 

التوسع الإيبيري وسقوط الثغور الساحلية

لم يكن احتلال سبتة حدثا معزولا، بل مثّل بداية لمسلسل طويل من التوسع الإيبيري على طول السواحل المغربية ما بين 1415 و1515. وفي هذا السياق، يشير أحمد بوشرب إلى خطورة هذا الحدث بقوله: «احتلال سبتة لا يمثل مجرد غزو، بل بداية لمسار غزو شامل».

 

وشملت هذه الاحتلالات عددا من المدن الحيوية، من بينها القصر الصغير (1458)، أصيلا (1471)، أكادير (1505)، موكادور (1506)، آسفي (1508)، أزمور (1513)، مازاغان (1514)، والمعمورة (1515)، إضافة إلى احتلال مليلية سنة 1497 من طرف الإسبان.

 

وقد ساهم هذا التوسع في تسريع انهيار الدولة المرينية بعد ثورة فاس سنة 1465، مما فتح المجال أمام الوطاسيين، الذين عجزوا بدورهم عن استرجاع الثغور المحتلة.

 

الدولة السعدية وبروز التدخل العثماني

في ظل هذا الوضع، برزت الدولة السعدية انطلاقا من الجنوب، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن انفتاحها على الموانئ الأوروبية لاقتناء السلاح. وقد تُوّج هذا الصعود بتحرير سانتا كروز (أكادير) سنة 1541، ثم دخول فاس سنتي 1549 و1554.

 

غير أن التدخل الأجنبي عاد في شكل جديد، تمثل في التدخل العثماني، الذي انتهى باغتيال السلطان محمد الشيخ سنة 1557. وفي عهد عبد الله الغالب، اتسمت السياسة الخارجية بمنطق تغليب مصلحة الدولة، وهو ما أشار إليه المؤرخ المجهول في كتابه «تاريخ الدولة التكمدارتية»، حين تحدث عن: «تواطؤ السلطان مع البرتغاليين بشأن مزغان سنة 1564».

 

معركة وادي المخازن: نصر رمزي بحدود واقعية

أدت الصراعات الداخلية إلى استعانة محمد المتوكل بالبرتغال مقابل التنازل عن السواحل المغربية، وهو ما انتهى بهزيمته في معركة وادي المخازن سنة 1578. ورغم القيمة الرمزية والسياسية لهذا الانتصار، فإن نتائجه الميدانية ظلت محدودة.

 

وفي هذا السياق، يرى عبد المجيد القدوري أن: “المغرب كسب وحدة قومية بعد معركة وادي المخازن”، غير أن هذه الوحدة لم تُترجم إلى تحرير شامل للثغور المحتلة.

 

عهد أحمد المنصور وتجدد الأطماع الأجنبية

في عهد أحمد المنصور الذهبي، حاول المغرب استعادة إشعاعه الخارجي، خاصة من خلال حملة السودان سنة 1591، غير أن التدخل الأجنبي ظل حاضرا، خصوصا عبر دعم إسبانيا لثورات داخلية. وبعد وفاة المنصور سنة 1603، دخل المغرب مرحلة اضطراب جديدة، تجلت في تقديم العرائش لإسبانيا سنة 1610، واحتلال طنجة سنة 1661.

 

ولم تنته هذه المرحلة إلا مع توحيد البلاد على يد المولى الرشيد سنة 1668، ثم استرجاع عدد من الثغور الساحلية في عهد المولى إسماعيل، من بينها المعمورة، أصيلا، وطنجة.

 

يتضح أن التدخل الأجنبي كان عاملا مركزيا في تعميق الأزمة الداخلية بالمغرب خلال هذه الفترة، خاصة في ظل ضعف السلطة المركزية والانقسامات السياسية. غير أن هذه التحديات أسهمت أيضا في بروز حركات مقاومة وإصلاح، مهّدت لاحقا لإعادة توحيد الدولة واسترجاع جزء مهم من سيادتها الترابية.

الاخبار العاجلة