مالي تُعيد رسم مواقفها من نزاع الصحراء… تحوّل استراتيجي يعمّق عزلة الطرح الانفصالي

القضية بريس12 أبريل 2026آخر تحديث : منذ 8 ساعات
القضية بريس
سياسة
مالي تُعيد رسم مواقفها من نزاع الصحراء… تحوّل استراتيجي يعمّق عزلة الطرح الانفصالي
ٌٌإسماعيل المالكي

في التحولات الكبرى التي تعرفها العلاقات الدولية، نادراً ما تأتي القرارات الدبلوماسية بشكل مفاجئ أو معزول عن سياقها، بل تكون في الغالب نتيجة تراكمات صامتة تعكس تغيراً تدريجياً في إدراك الدول لمصالحها الحيوية. ومن هذا المنظور، يبدو أن ملف الصحراء دخل بالفعل مرحلة جديدة، لم تعد فيها الاعتبارات الإيديولوجية أو الإرث السياسي كافية لتحديد مواقف الدول، بقدر ما أصبحت الحسابات الأمنية والاستراتيجية هي المحدد الرئيسي للتموقعات. فالعالم الذي يعيش على وقع أزمات متشابكة، من الحرب في أوروبا الشرقية إلى هشاشة منطقة الساحل، بات يميل إلى إعادة ترتيب أولوياته وفق منطق الاستقرار، والبحث عن حلول قابلة للتطبيق، بدل الاستمرار في نزاعات مفتوحة تستنزف الزمن دون أفق واضح.

في هذا السياق، يكتسب قرار مالي سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” دلالات تتجاوز بكثير طابعه الثنائي، ليعكس تحولاً أعمق في بنية التوازنات الإقليمية داخل إفريقيا. فـباماكو، التي تجد نفسها في قلب منطقة الساحل المضطربة، لم تعد تنظر إلى هذا النزاع باعتباره قضية بعيدة عن أولوياتها، بل كعامل يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على أمنها الداخلي واستقرارها السياسي. هذا التحول في الإدراك يعكس وعياً متزايداً لدى دول الساحل بأن النزاعات الانفصالية، مهما كان بعدها الجغرافي، تظل مرتبطة عضوياً بهشاشة الدول، وبإمكانية استغلالها من قبل فاعلين غير دولتيين في بيئات تعاني أصلاً من فراغات أمنية.

كما أن هذا القرار يندرج ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل التحالفات داخل القارة الإفريقية، حيث بدأت عدة دول تعيد تقييم مواقفها التقليدية في ضوء المتغيرات الجيوسياسية الراهنة. ولم يعد دعم أطروحات انفصالية يُنظر إليه كخيار سياسي محايد، بل كرهان محفوف بالمخاطر في سياق إقليمي يتسم بتصاعد التهديدات العابرة للحدود. في المقابل، تبرز مقاربات جديدة تقوم على دعم وحدة الدول وتعزيز الحلول السياسية الواقعية، وهو ما يفسر تنامي التأييد لمبادرات تُقدم كبدائل عملية لإنهاء النزاعات.

ضمن هذه الدينامية، برز المغرب كفاعل إقليمي استطاع، عبر مقاربة متعددة الأبعاد، أن يعيد صياغة موقعه داخل إفريقيا، ليس فقط من خلال الدفاع عن قضاياه الاستراتيجية، بل أيضاً عبر بناء شراكات اقتصادية وتنموية وأمنية جعلت منه شريكاً موثوقاً لدى عدد متزايد من الدول. هذا التموقع لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتيجة استراتيجية طويلة الأمد، يقودها الملك محمد السادس، تقوم على الربط بين الدبلوماسية السياسية والامتداد الاقتصادي، بما يمنح المواقف المغربية مصداقية أكبر داخل القارة.

في المقابل، يضع هذا التحول الجزائر أمام واقع دبلوماسي أكثر تعقيداً، خاصة في ظل التراجع التدريجي للدعم الإقليمي للأطروحة التي تتبناها جبهة البوليساريو. فالتغير في مواقف الدول الإفريقية لم يعد معزولاً، بل يعكس اتجاهاً عاماً نحو إعادة تعريف الأولويات، حيث يتقدم منطق الاستقرار على حساب الاستمرار في نزاعات فقدت الكثير من زخمها الدولي.

في خضم هذا التحول، قالت مريم بوجعبوط، المحاضِرة بالجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتا الأمريكية – فرع السنغال، في تصريح خاص لجريدة “القضية بريس”، إن القرار المالي لا يمكن اختزاله في مجرد تغيير دبلوماسي ظرفي، بل يعكس تحولا أعمق في مقاربة النزاع، في ظل دينامية دولية متسارعة باتت تميل إلى تبني حلول واقعية وقابلة للتطبيق، بعد أن استنفدت الطروحات التقليدية قدرتها على التأثير.

ومن هذا المنطلق، ترى الباحثة أن الإشارة الصريحة لمالي إلى تداعيات استمرار النزاع على السلم والأمن في منطقة الساحل ليست مجرد موقف دبلوماسي، بل تعبير عن تحول في الإدراك الاستراتيجي، حيث لم يعد النزاع يُفهم كملف معزول، بل كعنصر مؤثر في معادلة الاستقرار الإقليمي، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على الأمن الهش في المنطقة.

كما تضيف أن دعم مبادرة الحكم الذاتي لا يأتي في فراغ، بل يندرج ضمن سياق دولي متنامٍ، حيث بات هذا المقترح يحظى بتأييد قوى وازنة مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، وهو ما يمنحه، في تقديرها، صفة الخيار العملي القابل للتفعيل، لا مجرد إطار نظري للحل.

وفي السياق نفسه، أشارت المحاضِرة بالجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتا الأمريكية – فرع السنغال، أن هذا التوجه ينسجم مع مقاربة مجلس الأمن الدولي، خاصة من خلال القرار 2797، الذي يدعو إلى حل سياسي متوافق عليه وقابل للتطبيق، وهو ما يعزز من موقع المبادرة المغربية داخل المرجعية الأممية.

وعلى المستوى الإفريقي، تؤكد الباحثة أن القرار المالي يعكس بداية تحول تدريجي داخل الاتحاد الإفريقي، حيث لم تعد النزعات الانفصالية تُقرأ كخيار سياسي عادي، بل كتهديد مباشر لوحدة الدول واستقرارها، وهو ما يدفع، في تقديرها، نحو إعادة تموقع عدد من الدول انسجاماً مع متطلبات الأمن الإقليمي.

كما تشير إلى أن هذا التطور يترجم نجاح المقاربة التي يقودها الملك محمد السادس، والتي تقوم على تداخل الأبعاد الاقتصادية والتنموية والأمنية، مما عزز من مكانة المغرب كشريك موثوق داخل القارة، وأعطى بعداً عملياً للدعم المتزايد للوحدة الترابية.

وفي المقابل، ترى بوجعبوط أن هذا المسار يضع الجزائر أمام تحديات دبلوماسية متزايدة، في ظل تراجع عدد الدول التي تتبنى الطرح الانفصالي الذي تمثله جبهة البوليساريو، مقابل صعود توجه إفريقي يعيد ترتيب أولوياته انطلاقاً من معادلة الاستقرار.

في المحصلة، لا يظهر قرار مالي كخطوة معزولة أو ظرفية، بل كجزء من مسار أوسع يعيد تشكيل طريقة التعاطي مع النزاع، حيث تتقدم الواقعية السياسية كمعيار للحل، وتتراجع المقاربات التقليدية لصالح بدائل أكثر قابلية للتطبيق، في مقدمتها مبادرة الحكم الذاتي التي تكتسب تدريجياً زخماً دولياً وإفريقياً متزايداً.

الاخبار العاجلة