نادراً ما تولد الكتب من قرار واعٍ، وغالباً ما تأتي من أثرٍ يصعب تجاهله. هكذا تبدو حكاية صالح الباشا، التي لم تبدأ كنص، بل كصوت ظلّ يتردد في الذاكرة، قبل أن يتحول، مع الغياب، إلى مادة للكتابة.
في الخلفية، بيت بسيط، وأمّ تستمع. لا بوصفها متلقية عابرة، بل كحافظة لذاكرة شفوية تعيد تركيب التفاصيل وتمنحها معنى. كانت الأغاني بالنسبة لها أكثر من لحن؛ كانت امتداداً لحياة تُقال بشكل غير مباشر. وحين جاء خبر الوفاة، لم يكن مجرد حدث عادي، بل لحظة فاصلة أعادت ترتيب العلاقة مع ذلك الصوت، وفتحت باباً لسؤال لم يكن مطروحاً من قبل: ماذا لو كُتبت هذه الحكاية؟
بالنسبة للكاتبة رميساء وهيا، لم يكن الجواب فورياً. فثمة مسافة ضرورية بين التجربة والكتابة، خاصة حين يتعلق الأمر بسيرة مشحونة بالوجدان. لذلك جاء التردد أولاً، قبل أن يتحول، تدريجياً، إلى انخراط كامل في النص، عبر الاستماع المتكرر للأغاني، والاقتراب من اللغة التي كان يكتب بها الفنان ذاته.
في هذه المرحلة، لم يعد التلقي سلبياً. الكلمات بدأت تُقرأ بوصفها إشارات إلى حياة، لا مجرد تعبيرات فنية. وهنا برزت الفكرة المركزية: “كان يكتب على حياته”. عبارة تختزل طبيعة التجربة، وتحوّل العمل الفني إلى سيرة غير معلنة، موزعة بين الصوت والمعنى.
هذا التحول لم يفرض الكتابة فقط، بل حدّد أيضاً طبيعتها. فالنص لم يُبنَ من زاوية واحدة، بل من تداخل بين ذاكرة تنطق ويدٍ تدوّن. “أنا التي كتبت، لكن أمي هي التي كانت تحكي… كنت أنا الحبر، وكانت هي اللسان”. بهذا المعنى، يصبح العمل أقرب إلى كتابة مزدوجة، تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع التلقي العاطفي، في بناء سردي لا يدّعي الاكتمال.
اختيار صالح الباشا لم يكن نتيجة مفاضلة، بل استثناء فرض نفسه داخل هذا المسار. فالتجربة التي يقدمها، بما تحمله من كثافة شعورية، تضعه في امتداد نموذج إنساني يتكرر في الثقافة: العاشق الذي يذهب إلى أقصى حدود الإحساس. ومن هنا، يكتسب لقب “قيس الأمازيغي” دلالته، باعتباره مفتاحاً لقراءة هذه السيرة، لا مجرد توصيف شعري.
في هذا السياق، لا تتحرك الرواية داخل منطق الحكاية التقليدية، بل ضمن منطق السؤال. ماذا يعني أن يتحول الحب إلى قدر؟ وكيف يمكن لتجربة واحدة أن تعيد تشكيل معنى الفقد؟ أسئلة لا تسعى الرواية إلى حسمها، بقدر ما تفتحها أمام القارئ، وتتركه داخل منطقة التوتر بين الإحساس والفهم.
“كيف أقنع نفسي أنها تزوجت؟” لا تُقرأ كنص خطي، بل كتجربة قابلة لإعادة الاكتشاف. فهي تشتغل على الإحساس أكثر من الحدث، وعلى ما لا يُقال أكثر من المعلن، ما يمنحها قابلية للاستمرار خارج لحظة القراءة الأولى.
وفي امتداد لهذا المسار، يأتي توقيع الرواية ضمن فعاليات معرض الكتاب، كتحول طبيعي من الخاص إلى العمومي. لحظة ينتقل فيها النص من فضاء الكتابة إلى فضاء التلقي المباشر، حيث يعاد إنتاج المعنى عبر تفاعل القراء، وتتحول الحكاية إلى تجربة مشتركة.
في المحصلة، لا تبدو هذه الرواية محاولة لتوثيق سيرة بقدر ما هي سعي لحفظ أثر. أثر إنساني لا يطالب بالاكتمال، بقدر ما يطلب أن يُروى، وأن يُترك مفتوحاً أمام من يقرأه.











































