داخل جلسة دستورية حاسمة.. الحصيلة الحكومية بين منطق التبرير السياسي واختبار الثقة الانتخابية

القضية بريسمنذ ساعتينآخر تحديث : منذ ساعتين
القضية بريس
سياسة
داخل جلسة دستورية حاسمة.. الحصيلة الحكومية بين منطق التبرير السياسي واختبار الثقة الانتخابية
إسماعيل المالكي

في جلسة برلمانية مشتركة بين مجلسي النواب والمستشارين، ووفق الإطار الدستوري المؤطر بمقتضيات الفصل 101، قدم رئيس الحكومة حصيلة خمس سنوات من التدبير، في لحظة سياسية تتجاوز بعدها المؤسساتي لتتحول إلى تمرين مكثف في إعادة بناء الشرعية السياسية قبيل استحقاقات 2026.

هذا الموعد الدستوري، وإن كان من حيث الشكل محطة لتقديم منجزات الحكومة، فإنه من حيث السياق يندرج ضمن دينامية سياسية دقيقة، حيث تتقاطع نهاية الولاية مع تصاعد منسوب التقييم المجتمعي للأداء العمومي، في ظل ضغط اجتماعي متنامٍ فرضته تحولات اقتصادية دولية انعكست بشكل مباشر على القدرة الشرائية وعلى انتظارات المواطنين.

الخطاب الحكومي لم يكتفِ بسرد المؤشرات، بل سعى إلى بناء سردية متكاملة تؤطر الولاية باعتبارها مرحلة “صمود وإصلاح” في مواجهة أزمات مركبة. وهي محاولة واضحة لنقل النقاش من مستوى النتائج الظرفية إلى مستوى الاختيارات الاستراتيجية، بما يسمح بإعادة تأويل بعض الإخفاقات ضمن سياق دولي مضطرب، بدل اختزالها في حدود المسؤولية الحكومية المباشرة.

في هذا الإطار، تم تقديم الزخم التشريعي كأحد أبرز مؤشرات الأداء، عبر التأكيد على عدد النصوص القانونية والتنظيمية المصادق عليها. غير أن هذا المعطى، رغم أهميته المؤسساتية، يظل مفتوحاً على نقاش جوهري يتعلق بمدى قدرة هذه الترسانة القانونية على إحداث أثر فعلي في السياسات العمومية، خاصة في ظل الفجوة القائمة بين منطق التشريع ومنطق التنزيل.

اقتصادياً، اعتمد الخطاب على مؤشرات كلية تعكس تحسناً نسبياً في النمو وجاذبية الاستثمار واستعادة ثقة المؤسسات الدولية، وهي عناصر تُستخدم عادة لتثبيت صورة الاستقرار الاقتصادي. إلا أن هذا الطرح يصطدم بواقع اجتماعي أكثر تعقيداً، حيث لم تنعكس هذه المؤشرات بنفس الوتيرة على الإحساس العام بتحسن مستوى العيش، ما يعيد طرح إشكالية توزيع ثمار النمو وحدود فعاليته الاجتماعية.

في المقابل، تم توظيف ورش “الدولة الاجتماعية” كرافعة مركزية في الخطاب، باعتباره الإطار الذي يمنح للحصيلة بعدها الاجتماعي، من خلال تعميم الحماية الاجتماعية وإطلاق الدعم المباشر وإصلاح المنظومتين الصحية والتعليمية. غير أن هذا الورش، رغم طابعه الهيكلي، يظل رهيناً بمدى نجاعة آليات الحكامة والقدرة على ضمان استدامة التمويل وجودة الخدمات، وهي عناصر لا تقل أهمية عن الإعلان عن البرامج نفسها.

سياسياً، حمل الخطاب ملامح دفاعية واضحة، حيث تم تأطير القرارات الحكومية ضمن ثنائية “الجرأة مقابل الشعبوية”، في محاولة لإعادة ترتيب النقاش العمومي حول الأداء الحكومي. وهي مقاربة تعكس وعياً ضمنياً بوجود فجوة بين الخطاب الرسمي والإدراك المجتمعي، خاصة في ظل تراجع منسوب الثقة في الفاعلين المؤسساتيين.

كما لم يكن البعد الدبلوماسي غائباً، إذ تم استحضار المكاسب المرتبطة بالقضية الوطنية كعنصر داعم للحصيلة، في انسجام مع تقليد سياسي يجعل من النجاحات الخارجية رافعة لتعزيز الشرعية الداخلية.

في المحصلة، لا يمكن قراءة هذه الحصيلة بمعزل عن سياقها الانتخابي، حيث تتحول الجلسة البرلمانية المشتركة من آلية دستورية للتقييم إلى فضاء لإعادة بناء الخطاب السياسي وتثبيت منطق الاستمرارية. وبين الأرقام التي تقدمها الحكومة لتأكيد منجزاتها، والانطباعات التي تشكلها التجربة اليومية للمواطنين، يتحدد الرهان الحقيقي: ليس فقط في ما تحقق، بل في مدى القدرة على إقناع الناخب بجدوى هذا المسار في المستقبل.

الاخبار العاجلة