في فضاء مفتوح على الضوء والاحتمال، تتحول الكلمات إلى بدايات، ويصير الشعر تمريناً جماعياً على الحلم. هكذا تختار دار الشعر أن تختتم موسمها الثقافي التاسع، من خلال الدورة التاسعة لملتقى “مشاتل الأبجدية”، التي تحتضنها حديقة معهد أبي العباس السبتي للمكفوفين، يوم الجمعة 17 أبريل 2026، بمشاركة واسعة لأطفال ويافعين وشباب انخرطوا، على امتداد موسم كامل، في تجربة الكتابة الشعرية.
لا يبدو هذا الموعد مجرد حفل ختامي لورشات تكوينية، بقدر ما يشبه لحظة عبور من التعلم إلى التعبير، ومن الورشة إلى المنصة. فالمشاركون، الذين يمثلون مؤسسات تعليمية وثقافية ونقط قراءة عمومية، يقدّمون إنتاجاتهم الإبداعية في صيغة مفتوحة، تمتزج فيها القراءة بالأداء، والشعر بالمسرح، والكلمة بالصوت.
الورشات التي سبقت هذا اللقاء، وامتدت منذ شتنبر 2025، اشتغلت على تقنيات الكتابة الشعرية من جهة، وعلى توسيع أفق الإبداع من جهة ثانية، عبر الانفتاح على الحكاية والمسرح والسينما، إلى جانب تمارين الصوت والإلقاء والأداء الجسدي. وهو ما منح المشاركين علاقة مختلفة مع النص، لا باعتباره كتابة فقط، بل تجربة تُعاش وتُؤدّى.
ويحضر في هذه الدورة، كما في سابقاتها، رهان الانفتاح على فئات أوسع، من خلال إشراك مؤسسات تربوية وثقافية متعددة، من بينها المركز الثقافي الداوديات ودار الثقافة تامنصورت، إلى جانب مؤسسات تعليمية عمومية وخاصة، فضلاً عن مرتفقي معهد أبي العباس السبتي للمكفوفين، في تجربة تعكس وعياً متزايداً بضرورة توسيع دوائر الفعل الثقافي وجعله أكثر شمولاً.
اللحظة الأبرز في الملتقى تتجسد في تقديم قراءات شعرية لشباب الفوج التاسع، ضمن فقرة “شعراء قادمون إلى المستقبل”، حيث تتقاطع أصوات جديدة تبحث عن لغتها الخاصة، وتعلن، في الآن ذاته، عن بداية مسارات إبداعية تتشكل بهدوء. كما تتعزز هذه القراءات بلوحات شعرية ممسرحة، يشرف عليها الفنان والشاعر السعيد أبو خالد، بمشاركة بدر هبول، في تجربة تزاوج بين النص والحركة، وتمنح القصيدة بعداً بصرياً وأدائياً.
ولا يبتعد الملتقى عن روحه الاحتفالية، من خلال فقرات فنية موجهة للأطفال، تقدمها الفنانة نزهة بلحو، إلى جانب مشاركة الفنانة المسرحية نزهة الجعيدي، عبر فقرات تنشيطية وتحسيسية تروم ترسيخ علاقة الناشئة بالكتاب والقراءة، في توازن بين البعد التربوي والبعد الجمالي.
ومنذ تأسيسها سنة 2017، راهنت دار الشعر بمراكش على ورشات الكتابة الشعرية كمدخل أساسي لبناء علاقة مستدامة مع الإبداع، عبر تقسيم مدروس للفئات المستهدفة، من أطفال ويافعين إلى شباب ومهتمين. وهو اختيار يعكس وعياً بدور المؤسسة الثقافية في محيطها، ليس فقط كفضاء للعرض، بل كمجال للتكوين والمواكبة واستنبات التجارب.
في العمق، لا يتعلق الأمر بملتقى عابر، بل بمسار يتجدد كل سنة، حيث تتحول “مشاتل الأبجدية” إلى استعارة حية: كلمات تُزرع في بداياتها الأولى، وأصوات تتشكل تدريجياً، في أفق أن تصير، مع الوقت، جزءاً من المشهد الشعري المغربي. هنا، لا يُقدَّم الشعر كجاهز مكتمل، بل كاحتمال مفتوح، يبدأ من طفل يكتشف لغته، وينتهي عند أفق لا حدود له.








































