احتضنت المدرسة العليا للأساتذة بمراكش، التابعة لجامعة القاضي عياض، يوم الخميس 5 مارس، يوماً دراسياً حول “تدريسية النص الشعري”، نظمته دار الشعر بمراكش بتنسيق مع المؤسسة الجامعية، في مبادرة علمية وثقافية جمعت باحثين ونقاداً وشعراء إلى جانب طلبة الأساتذة، بهدف مقاربة الإشكالات الديداكتيكية المرتبطة بتدريس الشعر في المنظومة التعليمية.
وانطلقت فعاليات هذا الموعد الثقافي صباحاً بتنظيم ورشة نموذجية تطبيقية في الكتابة الشعرية أشرف عليها الشاعر والناقد الدكتور عبداللطيف السخيري، أستاذ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين ومؤطر لورشات الكتابة الشعرية للشباب. وعلى امتداد ساعتين قدم السخيري درساً نظرياً يمزج بين البعد التطبيقي والتعلم الوظيفي، معتمداً تقنية “الانعكاس المرآوي”، حيث تم تقسيم المشاركين إلى خمس مجموعات عملت بشكل تدريجي على إنتاج نصوص شعرية انطلاقاً من صياغة الجملة وتشكيل الفكرة، وصولاً إلى بناء الجملة الشعرية والربط بين مكوناتها، مع استثمار الحس البصري في استلهام الصور اللغوية. وشكلت هذه الورشة، التي اتخذت طابع “ماستر كلاس”، فرصة لتقديم تجربة دار الشعر بمراكش في تأطير ورشات الكتابة الشعرية الموجهة للأطفال واليافعين والشباب والمهتمين.
وشهد مدرج المدرسة العليا للأساتذة حضوراً لافتاً خلال الجلسة الافتتاحية التي سيرها الدكتور عبدالرحيم ناجح، حيث قُدمت كلمتا المدرسة العليا للأساتذة بمراكش ودار الشعر بمراكش. وأكدت الدكتورة خديجة الحريري، مديرة المدرسة العليا للأساتذة، أهمية التعاون الثقافي والعلمي مع دار الشعر بمراكش، مشيدة بما راكمته المؤسسة من تجربة ذات إشعاع عربي ودولي في مجال الأنشطة الشعرية والثقافية، ومؤكدة حرص المدرسة على ترسيخ شراكة ثقافية سنوية تعزز حضور الأدب والشعر في التكوين التربوي. من جهته قدم الشاعر عبدالحق ميفراني عرضاً حول تجربة دار الشعر بمراكش منذ تأسيسها سنة 2017 ضمن التعاون بين وزارة الثقافة المغربية ودائرة الثقافة في حكومة الشارقة، مبرزاً البرامج الثقافية والاستراتيجية التي جعلت المؤسسة تتبوأ مكانة أساسية في المشهد الثقافي المغربي، كما أشار إلى التنسيق المستمر مع جامعة القاضي عياض ومختلف كلياتها، ومنها كلية اللغة العربية وكلية الآداب والمكتبة الرقمية الجامعية، إضافة إلى كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة.

وتواصلت فعاليات اليوم الدراسي بتنظيم جلسة علمية خصصت لموضوع “تدريسية النص الشعري”، حيث قدم عدد من الباحثين المغاربة مداخلات تناولت العلاقة بين الشعر والتربية. وفي هذا الإطار تناول الباحث الدكتور عبدالرحمان أبو جاوة موضوع “النحو مدخلاً لتدريسية النص الشعري بسلك الثانوي التأهيلي”، محاولاً الإجابة عن سؤال إمكانية اعتماد مدخل نحوي لتدريس النص الشعري، من خلال التركيز على النحو التحليلي الوظيفي الذي يبرز دور القواعد النحوية في بناء المعنى داخل النص. وأكد أن النحو لا ينبغي أن يُختزل في الصناعة اللفظية، بل يجب توظيفه للكشف عن الدلالات الجمالية للنص الشعري، مشيراً إلى وجود فجوة بين التوجيهات التربوية التي تؤكد البعد الوظيفي للنحو وبين حضور هذا المكون في الكتب المدرسية، حيث غالباً ما يكون حضوره محدوداً أو محتشماً في تحليل النصوص.
أما الباحثة الدكتورة سالمة الراجي فقد قاربت موضوع “النصوص الشعرية في الكتاب المدرسي من تذوق التعبير إلى تمثل القيمة”، مركزة على أهمية الانتقال بالمتعلم من مجرد التذوق الجمالي للنص إلى استيعاب القيم الإنسانية التي يحملها الشعر. وأكدت أن الشعر يتجاوز كونه وعاءً للقواعد اللغوية ليصبح وسيطاً يسهم في تشكيل وجدان المتعلم وبناء وعيه بالذات والعالم، مشيرة إلى أن الانتقال من التذوق إلى التمثل القيمي يمر عبر الاستجابة الانفعالية للنص ثم التبني الذاتي للقيم التي يحملها. كما انتقدت بعض الممارسات التربوية التي تقوم على تفتيت النصوص الشعرية إلى وحدات معجمية وجداول تقنية تفقد القصيدة بعدها الجمالي والتأثيري.

وفي مداخلته حول “ديداكتيك النص الشعري في التعليم الثانوي”، قدم الباحث الدكتور عزيز عشعاش قراءة نقدية لواقع تدريس الشعر، مشيراً إلى أن النص الشعري يحتل مكانة محدودة في المقررات الدراسية مقارنة بالنصوص النثرية، حيث لا تتجاوز نسبته 17.64 في المائة مقابل 82.36 في المائة للنصوص النثرية، مع ملاحظة غياب التنوع في الأغراض الشعرية والاقتصار غالباً على نماذج محدودة. كما أكد أن نجاح حصة الشعر يرتبط بدرجة كبيرة بحب المدرس للشعر وقدرته على نقله إلى المتعلمين بطريقة تجعلهم يتذوقون جمالياته، داعياً إلى تجاوز القراءة المنهجية النمطية التي تحول الدرس إلى تحليل تقني جاف.
وشهدت الجلسة الختامية نقاشاً تفاعلياً بين الطلبة الباحثين والأساتذة المتدخلين، حيث طرحت مجموعة من الأسئلة حول الإشكالات المرتبطة بتلقي الشعر داخل الفصل الدراسي، ومنها الفجوة بين القراءة والكتابة الشعرية في المناهج التعليمية، وصعوبة تلقي النصوص الشعرية لدى المتعلمين، إضافة إلى إشكالية توظيف النحو في تحليل النص الشعري. وقد أكدت ردود الأساتذة على ضرورة تكامل مهارات القراءة والكتابة، واعتبار النحو أداة لفهم النص الشعري وليس مجرد قواعد جامدة، مع التشديد على الدور الحاسم للمدرس في تحويل درس الشعر إلى تجربة جمالية حية تتجاوز التحليل التقني.
واختتم اليوم الدراسي بفقرة شعرية بعنوان “إشراقات شعرية” شارك فيها الشعراء مولاي رشيد العلوي وهاجر آيت مولاي علي وأبوبكر وسلام، إلى جانب طلبة المدرسة العليا للأساتذة الذين قدموا نصوصاً شعرية نتجت عن الورشة التطبيقية. كما تم في نهاية اللقاء توزيع شواهد تقديرية على المشاركين، مع التأكيد على أهمية استمرار مثل هذه اللقاءات العلمية والثقافية التي تسعى إلى تطوير مقاربات تدريس الأدب والشعر داخل المدرسة المغربية وتعزيز الحوار بين الباحثين والممارسين التربويين حول مستقبل تدريس النص الشعري.










































