في الشرق الأوسط، لم تعد خطوط التماس تُرسم فقط على خرائط الجبهات، بل داخل معادلة أكثر تعقيداً تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع رهانات الردع، وتتداخل فيها الأهداف التكتيكية مع حسابات المدى البعيد. فالتصعيد الأخير لا يعكس مجرد جولة جديدة من المواجهة، بقدر ما يكشف عن تحول أعمق في طبيعة الصراع، حيث لم تعد الحرب تُخاض بهدف الحسم، ولا يُدار التفاوض بغرض الوصول إلى تسوية نهائية، بل أصبح كلاهما جزءاً من آلية واحدة لإدارة التوازنات.
الحرب التي استمرت لأسابيع لم تُنتج، في ميزان النتائج، لا غالباً واضحاً ولا مغلوباً بشكل حاسم. هذا الواقع لا يعكس توازناً تقليدياً في القوة بقدر ما يعبر عن حدود الفعل العسكري في بيئة إقليمية شديدة التشابك، حيث تتعدد الفواعل، وتتداخل الجبهات، وتتعقد مسارات الردع. فالتفوق الميداني، حتى عندما يتحقق، لا يترجم بالضرورة إلى مكاسب استراتيجية مستقرة، كما أن القدرة على الصمود لا تعني امتلاك زمام المبادرة.
في هذا السياق، يبرز تحليل خالد الشيات، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، الذي يعتبر أن المنطقة تعيش وضعاً مركباً يمكن توصيفه بـ“أزمة حرب وأزمة سلام” في آن واحد. فالحرب، بحسب هذا التصور، لم تعد قادرة على إنتاج نتائج حاسمة، بينما لم تتوفر بعد شروط تسوية سياسية مستقرة، ما يضع الأطراف داخل حالة من اللا-حسم المستمر.
ويشير الشيات إلى أن امتداد المواجهة لأسابيع دون حسم كان يفترض أن يفتح المجال أمام استثمار أكبر للمسار التفاوضي، خاصة من قبل الولايات المتحدة، غير أن استمرار بعض أشكال التصعيد، بما في ذلك الضربات الجوية، حدّ من فرص هذا المسار. بل إن ما يصفه بـ“الحماس الزائد” لدى إسرائيل ساهم، في تقديره، في دفع المنطقة نحو مزيد من التعقيد بدل التهدئة.
هذا التعقيد لا يرتبط فقط بسير العمليات، بل أيضاً بطبيعة الملفات المطروحة. فاستمرار الهجمات في جنوب لبنان يعكس، وفق التحليل ذاته، ارتباطاً مباشراً بين جبهات الصراع، ما يفرض إدماجها ضمن أي عملية تفاوضية، بدل التعامل معها كقضايا منفصلة. وهو ما يفسر دخول هذه الساحات ضمن حسابات التهدئة ووقف إطلاق النار، ولو بشكل غير مباشر.
وفي قلب هذه المعادلة، تبرز إيران كفاعل رئيسي، حيث يشير الشيات إلى أن أحد الأهداف الأساسية للتحركات الحالية يتمثل في دفع طهران إلى فك ارتباطها بالجماعات الحليفة في المنطقة، باعتبار ذلك مدخلاً لتقليص امتداد الصراع واحتواء تداعياته. غير أن هذا الهدف يصطدم بقضايا أكثر تعقيداً، تتعلق بطبيعة البرنامج النووي الإيراني، وبالدور الذي تلعبه إيران داخل التوازنات الاقتصادية الدولية، خاصة في علاقتها مع الصين.
وفي هذا السياق، يبرز تباين واضح في المقاربات بين الولايات المتحدة وإسرائيل. فبينما تميل واشنطن إلى القبول باستمرار النظام الإيراني مع إدخال تعديلات على مستوى سلوكه الاستراتيجي—خصوصاً في ما يتعلق بالبرنامج النووي والعلاقات الاقتصادية—تتجه إسرائيل نحو خيار أكثر حدة، يقوم على إضعاف إيران إلى أقصى درجة ممكنة، بل وحتى الدفع نحو تغيير النظام.
هذا الاختلاف، بحسب الشيات، يفتح هامشاً للمناورة أمام إيران، التي قد تسعى إلى استثماره عبر تقديم تنازلات محدودة للولايات المتحدة، خاصة على المستوى الاقتصادي، دون الانخراط في تغييرات استراتيجية عميقة قد لا تكون مقبولة إسرائيلياً. وهو ما قد يؤدي إلى إعادة ضبط مستوى التوتر، دون إنهائه بشكل كامل.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرجح التحليل أن يتجه الصراع نحو نوع من “الاحتواء الجغرافي”، حيث يتم حصره في نطاقات محددة، سواء في لبنان أو عبر مواجهات غير مباشرة، بدل الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وهو سيناريو، في تقدير الشيات، يصعب على إسرائيل الاستمرار فيه لفترة طويلة دون تحمل كلفة متزايدة.
في المحصلة، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو حرب حاسمة أو سلام شامل، بقدر ما تسير نحو مرحلة وسطى، تُدار فيها الصراعات ضمن توازنات دقيقة، ويُعاد فيها ترتيب الأوراق بشكل مستمر، دون أن تتغير القواعد الأساسية للعبة. وبين تصعيد محسوب وتفاوض مشروط، يستمر الشرق الأوسط في التحرك داخل معادلة مفتوحة، عنوانها إدارة الصراع لا حسمه.








































