المسجد والنساء في رمضان بأوروبا: بين فقه التيسير والواقع الاجتماعي في إيطاليا

القضية بريس27 فبراير 2026آخر تحديث : منذ 7 ساعات
القضية بريس
كُتّاب وآراء
سياحة القنّاصة في سراييفو: جرحٌ أوروبي مُهمل يعود ليطالب بالعدالة بعد ثلاثة عقود
عبد الله مشنون
عبد الله مشنون

مع حلول شهر رمضان المبارك، يتجدد في الأوساط الإسلامية جدل فقهي واجتماعي محتدم حول مشروعية وضوابط خروج النساء لصلاة التراويح. هذا الجدل، وإن بدا في ظاهره فقهياً، إلا أنه يضرب بجذوره في أعماق البناء الثقافي والاجتماعي للأسرة المسلمة، خاصة في ظل التحولات الهيكلية التي طرأت على دور المرأة في الفضاء العام. فبين نزعة التزمت التي تحاول تسييج وجود المرأة، ونزعة التفلت التي قد تذيب الضوابط الشرعية، تبرز الحاجة إلى قراءة مقاصدية متزنة تنطلق من روح النص وتراعي متغيرات العصر.

 

أولاً:تعد صلاة التراويح سنة مؤكدة استنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «مَن قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه». وإذا كان الفقهاء قد ذهبوا تاريخياً إلى أن صلاة المرأة في بيتها أفضل، إلا أن هذا الحكم معلل بغياب الفتنة وتحقق الستر. لكن في واقعنا المعاصر، استجدت علة أخرى أوجبُ بالرعاية، وهي الحاجة العلمية والتربوية.

 

فالمسجد اليوم ليس مجرد مصلى، بل هو المؤسسة الوحيدة التي تتيح للمرأة سماع موعظة دينية منضبطة، أو درس علمي، أو استماع للقرآن من قراء مجيدين. إن معظم الرجال في عصرنا الحالي قد لا يملكون القدرة أو الوقت لتثقيف نسائهم دينياً، ومن هنا ينقلب الحكم المقاصدي ليصبح الذهاب للمسجد أفضل وأولى؛ لأنه السبيل الوحيد لرفع الجهل بالدين وتجديد العزيمة الإيمانية التي قد تضعف في بيئة المنزل المشحونة بالمسؤوليات.

 

ثانياً:بصفتنا نعيش في قلب القارة الأوروبية، وفي إيطاليا على وجه الخصوص، فإن للمسجد رمزية تتجاوز البعد التعبدي المحض. في مجتمع تتلاطم فيه أمواج العولمة والمادية، يصبح المسجد خلال ليالي رمضان شريان الحياة الذي يغذي الهوية الإسلامية، ويواجه التهميش من خلال خلق حالة من الاستقرار النفسي للمرأة المغتربة، التي تجد في المسجد وطناً روحياً يعوضها عن بعد الأهل والديار.

 

ثالثاً:لا يستقيم الحديث عن فقه حضور المرأة في المسجد دون الالتفات إلى الدور البطولي والملحمي الذي تقوم به حرائر الجالية في إيطاليا، وخاصة في مدن الشمال وتحديداً في مدينة طورينو العريقة. فخلف جدران المساجد، ثمة جيش نسائي من المتطوعات اللواتي جعلن من خدمة بيوت الله عبادةً موازية للصلاة والقيام.

 

لقد رأينا بأعيننا كيف تنخرط المرأة المسلمة في إيطاليا بكل حب وتجرد في إعداد مائدة إفطار الصائم. هناك، حيث تفوح رائحة الحريرة المغربية الأصيلة، وتُصنع الفطائر الشهية بأيدٍ ماهرة تبتغي ما عند الله. هؤلاء النسوة يقضين الساعات الطوال بين حرارة القدور وغسل الأواني وتنظيم القاعات، ليقدمن للمهاجرين وعابري السبيل لقمة هنيئة في بيئة أسرية دافئة.

 

إن هؤلاء المتطوعات هنَّ الجند الخفي اللواتي يُحِلْن المسجد إلى بيتٍ لكل غريب. فإذا كان الرجال يصفون أقدامهم للصلاة، فإن هؤلاء النساء قد سبقت قلوبهن وأيديهن إلى نيل الثواب بخدمة الصائمين. وأمام هذا العطاء الباذخ، لا يسعنا إلا أن نلهج بالدعاء لهن في صلواتنا وخلواتنا، بأن يبارك الله في جهدهن، ويجعل كل حبة عرق يبذلنها في سبيل إطعام الصائمين ثقلاً في موازين حسناتهن، فهنَّ القدوة العملية لمعنى الشهود الحضاري.

 

رابعاً:لا شك أن خروج المرأة مرتبط بإذن الزوج بصفته راعي الأسرة، وطاعته واجبة في المعروف. ولكن، لا ينبغي لهذا الحق أن يتحول إلى أداة منع تعسفية تصادم النهي النبوي الصريح: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». إن من المآخذ الأخلاقية أن نرى بعض الرجال يسمحون لأنفسهم بالأحاديث الجانبية في المساجد، بينما يضيقون ذرعاً بأي همسة نسائية. وهنا يجب التفريق بين الغيرة المحمودة التي تصون العرض، وبين الغيرة المذمومة التي يبغضها الله، وهي الغيرة في غير ريبة، والتي لا تهدف إلا للتضييق والتحكم غير المبرر.

 

خامساً:إنَّ حِرصَ الأمهاتِ على اصطحاب أطفالهن وبناتهن إلى صلاة التراويح هو أمرٌ محمودٌ يعكس الرغبة في تنشئة الجيل على حب بيوت الله، إلا أنَّ هذا الحرص يجب أن ينضبط بآداب المسجد وحقوق المصلين. وهنا نوجه نصيحة محب لكل أمٍّ وأخت: إنَّ المسجد في صلاة التراويح يتحول إلى واحة للسكينة والتدبر، وإنَّ ترك الأطفال والفتية يعبثون أو يركضون أو يحدثون ضجيجاً في الممرات هو أمرٌ يفسد على المصلين خشوعهم وينافي وقار العبادة.

 

إنَّ تعليم الأبناء حرمة المسجد يبدأ من البيت؛ فإذا كان الطفل لا يطيق صبراً على هدوء الصلاة، أو كان سنُّه لا يسمح له بالانضباط لساعة أو أكثر، فإنَّ الأفضل للأم شرعاً وذوقاً أن تكتفي بصلاة ركعات يسيرة أو تلزم بيتها رحمةً بالمصلين وتجنباً للإحراج. إنَّ تشويش الأطفال لا يزعج المصلين فحسب، بل قد يعطي صورة غير حضارية عن تجمعاتنا في الغرب، لذا فإنَّ فقه التراويح يقتضي أن يكون المسجد مكاناً للسجود والذكر، لا مكاناً للعب والمرح، فاحترامُ عبادة الآخرين هو جزءٌ أصيلٌ من كمالِ إيماننا.

 

لقد فتحت الحضارة الحديثة للمرأة أبواب المدرسة والجامعة والسوق، وباتت شريكة في البناء المادي للمجتمع. فمن التناقض الصارخ أن تُوصد في وجهها أبواب خير البقاع. إننا ننادي بلا تحرج: أفسحوا للنساء في بيوت الله، ليتفقهن في الدين ويشهدن منافع لهن. إن خروج المرأة متوقرة محتشمة لتصلي وتخدم وتسمع الموعظة هو ترويح مشروع للنفس، وتعزيز لصلابة الأسرة المسلمة أمام تحديات الاغتراب، ما دام الالتزام بالضوابط الشرعية هو القائد والموجه.

الاخبار العاجلة